الشخصية الحدّية: الأعراض والعلاج النفسي الفعّال
الشخصية الحدّية: الأعراض والعلاج النفسي الفعّال
يُعد اضطراب الشخصية الحدّية من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وصعوبة في التشخيص والعلاج.
يتميّز بتقلّب المشاعر الشديد، والخوف من الهجر، والعلاقات غير المستقرة، إلى جانب اندفاعية قد تؤدي إلى تصرفات خطيرة.
لكن مع التقدّم في الطب النفسي، أصبح علاج اضطراب الشخصية الحدّية ممكنًا وفعّالًا عند الالتزام بخطة علاجية شاملة تدمج بين العلاج النفسي والدعم الأسري والعلاج الدوائي عند الحاجة.
في هذا المقال سنستعرض بالتفصيل أعراض الشخصية الحدّية، أسبابها، وأحدث أساليب علاج اضطراب الشخصية الحدّية وفق الدراسات الحديثة.
ما هو اضطراب الشخصية الحدّية؟
اضطراب الشخصية الحدّية (Borderline Personality Disorder – BPD) هو حالة نفسية تؤثر على الطريقة التي يفكر بها الفرد ويشعر ويتعامل بها مع الآخرين.
يعيش المصاب حالة من الاضطراب العاطفي المستمر، ما يجعله ينتقل بسرعة من أقصى الحب إلى أقصى الغضب أو الكره.
ويُطلق عليه “الحدّيّة” لأنه يقع على الحدود بين الاضطرابات النفسية والعاطفية، مما يجعل التعامل معه يتطلب فهمًا دقيقًا وسلوكًا علاجيًا متخصصًا.
أعراض اضطراب الشخصية الحدّية
تظهر أعراض هذا الاضطراب في مراحل المراهقة أو بداية البلوغ، وقد تختلف شدتها من شخص لآخر.
ومن أبرزها:
1. اضطراب في الهوية والشعور بالذات
يشعر الشخص المصاب بتغيّر مستمر في نظرته لنفسه، فتارة يرى نفسه شخصًا قويًا ومحبوبًا، وتارة يشعر بأنه لا يستحق الحياة.
هذا الاضطراب في الهوية يجعل من الصعب عليه اتخاذ قرارات مستقرة أو الالتزام بعلاقات طويلة الأمد.
2. خوف مفرط من الهجر
من أبرز سمات الشخصية الحدّية هو الخوف الشديد من الرفض أو التخلي.
قد يقوم الشخص بتصرفات اندفاعية لتجنّب الانفصال، مثل التوسّل، أو الغضب الشديد، أو حتى التهديد بإيذاء النفس.
3. علاقات غير مستقرة
العلاقات في حياة المصاب باضطراب الشخصية الحدّية تتأرجح بين المثالية المطلقة والاحتقار الشديد، ما يؤدي إلى سلسلة من الارتباطات غير المستقرة والمتوترة.
4. تقلبات مزاجية حادة
يتغير المزاج بشكل مفاجئ من السعادة إلى الغضب أو الاكتئاب خلال دقائق أو ساعات، مما يجعل من الصعب على الآخرين فهم مشاعره أو التعامل معه.
5. سلوكيات اندفاعية وخطرة
قد ينخرط المريض في تصرفات متهورة مثل الإسراف المالي، تناول الكحول، القيادة المتهورة، أو العلاقات غير الآمنة.
هذه السلوكيات تكون وسيلة للهروب من الألم العاطفي.
6. إيذاء النفس أو التفكير الانتحاري
من أخطر مظاهر اضطراب الشخصية الحدّية هو الميل لإيذاء الذات أو التهديد بالانتحار، كرد فعل على شعور بالرفض أو الوحدة.
لذلك يتطلّب التعامل مع هذه الحالات إشرافًا نفسيًا دقيقًا وفوريًا.
أسباب اضطراب الشخصية الحدّية
1. العوامل الوراثية
تشير الأبحاث إلى أن وجود أحد الأقارب من الدرجة الأولى يعاني من اضطراب مشابه يزيد من احتمالية الإصابة.
أي أن العامل الوراثي يلعب دورًا جزئيًا في تطور الاضطراب.
2. العوامل البيئية والتربوية
النشأة في بيئة يسودها الإهمال أو سوء المعاملة، أو التعرّض لصدمات نفسية في الطفولة مثل الاعتداء أو الهجر، تترك أثرًا عميقًا في تكوين الشخصية وتزيد من احتمالية الإصابة.
3. العوامل البيولوجية
بعض الدراسات تشير إلى اضطرابات في كيمياء الدماغ، خاصة في تنظيم هرمونات السيروتونين والدوبامين، وهي المسؤولة عن استقرار المزاج والتحكم في الانفعالات.
4. العوامل النفسية والاجتماعية
الضغوط المزمنة، أو العلاقات المتوترة، أو الرفض الاجتماعي، يمكن أن تفعّل أعراض الاضطراب لدى من لديهم استعداد نفسي أو وراثي له.
تشخيص اضطراب الشخصية الحدّية
يتطلّب التشخيص تقييمًا نفسيًا شاملًا يجريه مختص في الطب النفسي أو العلاج النفسي.
يُستند في التشخيص إلى المقابلات الإكلينيكية وملاحظة السلوك، إلى جانب استبعاد اضطرابات نفسية أخرى مثل الاضطراب ثنائي القطب أو الاكتئاب الحاد.
يُعتبر التشخيص المبكر خطوة أساسية في نجاح علاج اضطراب الشخصية الحدّية، لأن التدخل المبكر يمنع تفاقم الأعراض ويُحسّن فرص التعافي.
العلاج النفسي: الركيزة الأساسية في علاج اضطراب الشخصية الحدّية
يُعد علاج اضطراب الشخصية الحدّية النفسي هو الأكثر فعالية على المدى الطويل، إذ يهدف إلى تعليم المريض كيفية إدارة مشاعره والسيطرة على اندفاعه وبناء علاقات صحية.
1. العلاج السلوكي الجدلي (DBT)
يُعتبر من أنجح الأساليب المستخدمة في علاج اضطراب الشخصية الحدّية.
يركّز على تحقيق التوازن بين قبول المشاعر كما هي وتغيير السلوكيات السلبية.
من خلال جلسات فردية وجماعية، يتعلم المريض مهارات مثل:
- تنظيم الانفعالات.
- التعامل مع الضغوط.
- تحسين العلاقات الاجتماعية.
- ممارسة اليقظة الذهنية (Mindfulness).
أثبتت الدراسات أن هذا العلاج يقلل من محاولات الانتحار ويحسّن جودة الحياة بشكل ملحوظ.
2. العلاج المعرفي السلوكي (CBT)
يساعد في تعديل أنماط التفكير السلبية التي تؤدي إلى ردود فعل عاطفية مفرطة.
يركّز على إدراك المريض لارتباط أفكاره بمشاعره وسلوكياته، وبالتالي القدرة على التحكم في ردوده تجاه المواقف.
3. العلاج القائم على الذهن (MBT)
يهدف إلى تعليم المريض فهم مشاعره ومشاعر الآخرين بشكل أفضل، ما يساعد في تحسين التواصل وتقليل الصراعات في العلاقات.
4. العلاج الأسري
يشمل تثقيف أفراد الأسرة حول طبيعة الاضطراب وكيفية التعامل مع المصاب دون نقد أو رفض.
وجود دعم أسري فعّال يزيد من فرص نجاح علاج اضطراب الشخصية الحدّية ويقلل من الانتكاسات.
العلاج الدوائي: دعم إضافي لعلاج اضطراب الشخصية الحدّية
رغم أن الأدوية لا تعالج الاضطراب بشكل مباشر، إلا أنها تُستخدم لتخفيف الأعراض المصاحبة مثل القلق والاكتئاب أو الاندفاعية.
قد يصف الطبيب مضادات اكتئاب، أو مثبتات للمزاج، أو أدوية مضادة للقلق حسب الحالة.
لكن يجب أن يكون الاستخدام تحت إشراف طبي دقيق لتجنّب الاعتماد الدوائي أو الآثار الجانبية.
أساليب مساندة في علاج اضطراب الشخصية الحدّية
1. ممارسة الرياضة
الرياضة تساهم في تنظيم المزاج وتحفيز إفراز الإندورفين، مما يساعد على تقليل التوتر والانفعالات الحادة.
2. التغذية المتوازنة
تناول الأطعمة الغنية بالأوميغا 3 والمعادن يساهم في دعم توازن كيمياء الدماغ، وهو عامل مساعد في علاج اضطراب الشخصية الحدّية.
3. التأمل وتمارين التنفس
تساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التفاعل العاطفي الزائد، ما يمنح المريض قدرة أكبر على التحكم في المواقف الصعبة.
التعامل مع المصاب باضطراب الشخصية الحدّية
يتطلب التعامل مع المصاب وعيًا وصبرًا من المحيطين به:
- الاستماع دون نقد: لا يجب التقليل من مشاعره أو لومه.
- تحديد الحدود بوضوح: لمنع التلاعب العاطفي أو التبعية الزائدة.
- تشجيعه على الاستمرار في العلاج: لأن الانقطاع المفاجئ قد يؤدي إلى تدهور الحالة.
فرص الشفاء من اضطراب الشخصية الحدّية
على عكس ما يُشاع، يمكن للمصابين أن يتعافوا بشكل ملحوظ عند الالتزام بخطة علاجية متكاملة.
تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من المرضى يظهرون تحسنًا واضحًا خلال خمس سنوات من بداية علاج اضطراب الشخصية الحدّية، خاصة عند توفر دعم أسري ونفسي مستمر.
اضطراب الشخصية الحدّية ليس حكمًا نهائيًا، بل هو تحدٍ نفسي يمكن تجاوزه بالعلاج الصحيح والدعم المستمر.
الفهم والوعي هما أولى خطوات الشفاء، يليهما الالتزام بالعلاج النفسي والتعاون مع المختصين.
إن علاج اضطراب الشخصية الحدّية يحتاج إلى صبر وإصرار، لكنه يفتح الباب أمام حياة أكثر استقرارًا وهدوءًا، حيث يتعلّم الإنسان أن يوازن بين مشاعره وأن يعيش بسلام داخلي حقيقي.